Translate

Thursday, 25 December 2025

لماذا تتعاون المنظمات الدولية مع جهات رقابية في دول تُصنَّف ضمن الأكثر فسادًا؟


 يثير تعاون المنظمات الدولية المعنية بمكافحة الفساد مع أجهزة رقابية في دول تعاني من مستويات مرتفعة من الفساد، بل ومن نزاعات وانقسامات داخلية، تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا التعاون وحدوده الأخلاقية والعملية، لا سيما عندما تصدر تقارير دولية تؤكد ضعف نزاهة هذه الجهات ذاتها. من الناحية الواقعية، لا تعمل المنظمات الدولية دائمًا بمنطق “القضاء الكامل على الفساد”، بل غالبًا وفق مبدأ إدارة الأضرار والحد من المخاطر. فالعمل في بيئات هشة سياسيًا وأمنيًا يفرض قيودًا قاسية، تجعل من الإصلاح الجذري هدفًا بعيد المدى، مقابل التركيز على تحسينات تدريجية في الشفافية، وبناء القدرات، وتطوير الأطر المؤسسية. إضافة إلى ذلك، تلعب الاعتبارات الجيوسياسية دورًا لا يمكن تجاهله. فالدول المانحة والممولة للمنظمات الدولية تفضّل بيئات أكثر استقرارًا سياسيًا، حيث تكون الكلفة أقل والنتائج أكثر قابلية للقياس. أما في الدول التي تعاني من صراعات مسلحة أو انقسامات حادة، فإن العمل الرقابي يصبح عالي المخاطر، محدود الأثر، وغير مضمون النتائج. في المقابل، تستغل بعض الدول هذا التعاون الدولي لتلميع صورتها داخليًا وخارجيًا. فتحوَّل المشاركة في المؤتمرات والندوات الدولية إلى مادة دعائية، يُروَّج لها كإنجاز، بينما يُغيب جوهر الإصلاح الحقيقي. ويتحول التركيز من جودة المخرجات إلى عدد المشاركات، ومن الأثر المؤسسي إلى الحضور الإعلامي. الأخطر من ذلك، أن بعض الأجهزة الرقابية في هذه الدول تُختطف سياسيًا أو قبليًا، حيث يصبح رئيس الجهاز جزءًا من منظومة نفوذ، يوظف صلاحياته وموارد المؤسسة في تعزيز موقعه السياسي، أو خدمة جماعته، بدلًا من حماية المال العام ومكافحة الفساد. توصيات المرصد الدولي لمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة:

  1. إقرار مدونة سلوك دولية ملزمة للدول الموقعة على اتفاقيات مكافحة الفساد، تمنع استغلال المناصب الرقابية داخليًا أو خارجيًا لأغراض سياسية أو دعائية.
  2. اشتراط التقارير اللاحقة للمشاركة الدولية، بحيث تلتزم الجهات الرقابية بتقديم تقارير واضحة عمّا تم تعلمه، وكيفية تطبيقه، وما تم تنفيذه فعليًا من التزامات ووعود.
  3. تعزيز آليات التحقق والمتابعة عبر لجان دولية مشتركة، بزيارات قصيرة ومحددة، تراعي الاعتبارات الأمنية، وتهدف إلى تقييم التقدم الحقيقي لا الشكلي.
  4. إنشاء قنوات تواصل آمنة ومستقلة للتحقق من مصداقية التزامات الدول الأعضاء، مع ضمان حماية العاملين والموظفين وسرية العمل الرقابي.
  5. إعادة تعريف النجاح في التعاون الدولي، بالانتقال من منطق الكم والحضور إلى منطق الأثر والاستدامة المؤسسية. إن مكافحة الفساد في البيئات الهشة لا يمكن أن تنجح بالشعارات أو الصور التذكارية، بل تتطلب شجاعة سياسية، ومعايير واضحة، ومساءلة حقيقية. فالتغاضي باسم الواقعية قد يحد من الضرر مؤقتًا، لكنه على المدى الطويل يكرّس الفساد بدل تفكيكه.



 

No comments:

Post a Comment